arablog.org

“إخرسن … أنتن السبب ! “

التحرش الجنسي موضوع قديم جديد، و الحديث عنه لا يجلب للمرء غير حرق أعصابه و الكثير من القرف و القرف. و لولا هذه الصور و السلوكيات الشاذة التي أراها الآن و بالتحديد حيث أجلس في مقهى يطل على شارع عام لَما كتبت هذه التدوينة على عجل. ذلك أن بي من القرف هذه الأيام ما يكفيني و زيادة .
ما يقرفني في الأمر هو كيف أصبحنا ننظر إلى مثل هذه الممارسات المقززة على أنها ممارسات عادية و طبيعية. و ما يثير سخطي أكثر هو كيف تغاضينا عن خلل اجتماعي كهذا حتى تفاقم لهذا الحد و أصبح من البديهيات في حياتنا اليومية ؟

يقول صديقي : ” أنتن السبب ! أنظري إلى الخارج ! أنظري الى لباسهن الفاضح ”
أنظر إلى الخارج … و أبتسم بمكر في وجه صديقي،و أذكره بعشرات المحجبات ” المحترمات” وهو يحاول اعتراض طريقهن في اطار حملته السنوية ” أنا هو بُوكُوسْ الجامعة” .
و ما يدحض كليا مبرر صديقي هذا هو أن هذه الظاهرة لا تطال فقط صاحبات اللباس الغير المحتشم بل تطال أيضا المنقبات و المحجبات و المتزوجات و القاصرات …و في كل مكان; في الفضاءات العمومية، في المدارس ، في الجامعات و في العمل…. و لنا في الدول العربية الأخرى احصاءات كثيرة تثبت ذلك بأرقام مرعبة و شهادات مخيفة و حية نتناقلها يوميا عبر مواقع التواصل الاجتماعي . و حتى النساء المسنات أصبحن اليوم لا يسلمن من التحرش بل و الاغتصاب كذلك . و لعلنا نذكر جميعا جريمة الاغتصاب الجماعي الذي تعرضت له عجوز جاوزت 95 سنة بسيدي سليمان، و التي تناوب على اغتصابها ثلاثة شبان. أقول لصديقي هل حدث ذلك بسبب لباسها ” السيكسي” المثير ؟ ذلك أن مبررات الاغتصاب في جوهرها لا تختلف كثيرا عن مبررات التحرش و التي ترتبط أساسا بلباس المرأة و ابرازها لمفاتنها. ماذا عن الطفلة وئام “8 سنوات” و التي تم اغتصابها هي الأخرى و تشويه وجهها من قبل خمسيني ؟ ماذا عن طفلات أخريات في اليمن و مصر و باكستان و هند … حيث تسجل أعلى معدلات التحرش و الاغتصاب . هل حدث ذلك بسبب اعتلائهن للكعب العالي و تسريحاتهن المثيرة؟ أم بسبب نهودهن الكبيرة المكتنز ة و المكشوفة ؟

نختلف أنا و صديقي على تعريف موحد للتحرش . نجري بحثا سريعا على “النت” نصل من خلاله إلى تعريف للجمعية المغربية لحقوق الانسان و التي تعرف التحرش كالتالي : ” هو كل سلوك يتضمن ايحاءات جنسية مباشرة أو ضمنية تستهدف الايقاع بالطرف الآخر رغما عن إرادته في ممارسة جنسية مستغلا بذلك سلطته و نفوذه”
يضحك صديقي بصوت عال و يقول ” أية ايحاءات جنسية مباشرة أو ضمنية ؟؟؟! المرأة يا عزيزتي بطبعها تحب من يستلطفها ومن ” يتحركش بها في الشارع ” وإلا اعتبرت ذلك استهانة بجمالها و تبخيسا من أنوثتها ”

لا أفهم هؤلاء الذين يتذرعون بمبررات كهذه و منهم صديقي هذا – الذي سأقتله بعد قليل بلا محالة – وأتساءل هل الاستلطاف هو ملاحقة الآخر و مضايقته و التلفظ بألفاظ جنسية بذيئة على مسمعه ؟ هل الاستلطاف هو أن تخنقني حتى في الشارع الذي هو مكان للجميع و تمنع عني الهواء الطبيعي ؟ هل الاستلطاف أصبح اليوم هو التطاول على جسد الآخر ؟ ذلك أن في حالات كثيرة يصل الأمر بالمتحرش إلى درجة التطاول على جسم المرأة بلمس أجزاء من جسدها،تلك اللمسات المنتزعة المسروقة بقوة أمام أعين الناظرين “على الخصر، المؤخرة، الشعر…” فضلا عن “البصبصات” و عمليات المطاردة و الملاحقة التي تدوم ساعات و ساعات . و في وضعيات أخرى نجد من يستغل بجهد الأماكن الضيقة والمزدحمة كالأسواق وحافلات النقل العمومي من أجل ملامسة أجساد النساء والتصاق بهن بطرق مقززة لا توصف . هل هذا استلطاف أم اذلال و تهديد و انتهاك لحرية الآخر ؟

” أنتن السبب ” عبارة مستفزة لا تختلف كثيرا عن الخطابات الأخرى التي تحمل المرأة كل اللوم، و الحقيقة أنها إذا كانت ملامة على شيء في ظاهرة التحرش بالتحديد فسيكون على سكوتها، “تطنيشها ” و خرسها على مثل هذه الانتهاكات. لا غير .
و كالعادة أدخل مع صديقي في سجال عقيم ينتهي بإدانته المتكررة للباس المرأة و إدانتي المتتالية لعقلية ذكورية مريضة تستبيح حتى الطفلات الصغيرات. عقلية تنظر إلى المرأة المتواجدة في الفضاءات العامة على أنها ملكية عمومية .

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *