arablog.org

إياك أن تعبر هذه القصيدة حافيا !

سلا  16  سبتمبر :

اليوم دعنا نتفق مرة أخرى. أنا قد تعبت. أوقن بذلك. أوقن أنني لن أحتمل أكثر. أوقن بفشلي و إخفاقي في الحب و الرحيل معا.
“لا يكفي أن تحب، بل عليك أن تعرف كيف تحب”¹
أنا لم أعرف كيف أحبك !
وسط هذه الهزائم المؤذية جدا، أريد أن أكتب اليوم عنا. عن كل ما كان، عن كل ما لم يكن. دون عناء، دون اكتراث. الليلة، أريد أن أسرف في الحديث عنك حتى أستفرغك. أريد أن أفقد شهيتي في الحديث عنك. أريد أن أتغلب عن عادتي السيئة  التي هي أنت.  أريد أن أتخلص منك دفعة واحدة الآن و على هذه الورقة. أريدك بلا طعم، بلا لون و بلا ملامح ….!

سأكتب عن كل شيء; عن الأشياء التي تمنيناها سرا و لم يكتب لها أن تتحقق. عن الكلمات التي ظلت عالقة بيننا ولم تقال، عن علامات الإستفهام التي لا زالت تسبح في الأفق. عنك، عني، عن الخيبة، عن الأمل، عن فخ المبادئ، عن التوق، و عن الإنتظار الذي نكره …. !

” الحب لا بد أن يعاش، لا أن يتذكر” ²
أنا لم أعش الحب يوما، لكني أعرفه
لقد انهار كل شيء … أدرك ذلك جيدا، أكثر من أي وقت مضى..انهار عالم الحب من حولي و أمام عيناي. آمنت بذلك منذ زمن طويل، و ما عاد هذا يخيفني. ما عدت انتحب، ما عدت أقتات على السواد و النوستالجيات. أنا اليوم عاجزة حتى عن الحزن، عاجزة عن الصراخ و البكاء. هل فقدت يوما القدرة على البكاء؟
ودعتني هشاشتي التي لا تظهر، و ذلك الشبق الذي لا اسم له. لم يتبقى شيء من ذلك الزخم بداخلي. أصبحت قاسية، قاسية جدا، أنانية، وموحشة. تماما كما لم تعرفني من قبل .
و أنت؟؟؟ متعب من كل شيء. من الوهم الذي أردت له عمرا طويلا. متعب منك ، من القدر المباغث و من الأحلام المكلفة .
كلانا يتهجى الطريق. كلانا متعب الروح.
سألتني مرة: مما تخافين؟
قلت: من الفقد
صدقني، لا يوجد أتعس من إنسان يسكنه الحزن و أكبر مخاوفه الفقدان. لا يوجد أتعس من رهابك من كل الأشياء الجميلة لخوفك من الفقد. هل جربت الفقد يوما؟!

ذهبت إليك ذات حنين. إليك أنت وحدك دون العالمين. شيء ما جرفني نحوك ذلك المساء. شيء حملني، شيء ركض بي نحوك. و يا إلهي كم كابرت، كم قاومت …!

و أنت ماذا فعلت؟ حدثتني عن هواجسك !! صدقا، ما كانت تعنيني ولا كان يعنني ذلك القدر الغامض الذي قذفني نحوك. كانت بي غصة لم أبتلعها بعد، بوح خفيف كان يلزمني لأستعيد توازني قسرا. و في ذلك الردح من الزمن، رأيتك. نعم، رأيتك تصلي كثيرا، تصلي طويلا …و كنت أضع يدي على قلبي وكنت تركض كطفل في قرية لم تطأها قدماي يوما. لكنني في مكان ما بداخلي كنت أعرفها و أعرفك.  لكن من أين؟؟
شيء ما يسقط الآن في صمت. و صمت الأشياء يعني غيابا….!!

إياك أن تعبر هذه القصيدة حافياً
فهي مليئة بشظايا الزجاج
فقبل قليل سقطت من بين أصابعي رؤياي
إحدى مرايا الحزن
و تهمشت على الأرض
وإذا غادرت هذه القصيدة
إياك و الخروج دون مظلة
أنظر فمن الجنوب المرارة
تتقدم سحابة صوت أسمر
و حين تصل إلى السماء فوقنا
أعرف أن مراثيها ستنهمر مدرارا ³

 

¹محمود درويش / في حضرة الغياب

²م. درويش

³ شيركو بيكس / عالم كردستان

1 Comment

  1. زكرياء

    رائع …. الحب غير المشروط هو ما يجعل من المرء إنسانا بحق

    Reply

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *